المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف نثر لمجرد النثر

سِفر الظلال

صورة
  في البدء، وقبل كل شيء،  كان الظلام،  وخُلِقتُ أنا ظلًا.  و كظلٍ،  ذوبتُ في الغسق. وفي البحر الأسود، تهادى وجودي العذري، في سلامٍ، مستقرًا على القاع. ثم حدثتْ الأشياء، وانبثق من العتمة نورٌ،  وبقيت أنا، على حالي، ظلًا. لكن ما تغير حينها،  وللمرّة الأولى،  أنني ميزتُ وجودي. وتلك كانتْ الخطيئة الأولى. عدنٌ كانت الظلام، وكنت أنا ظلُّ آدم.  وعندما هوى إلى الأرض، تكشّفتْ لي سوءتي: أدركتُ،  للمرة الأولى، أنني، أنا. ارتجفتُ. طفقتُ اتدثر باللّيل، وحاولتُ، عبثًا، أن ابتلع النجم. لكن وعيًا لم ينحسر، وقلبًا لم يهدأ.  صرختُ: لماذا؟! لَمْ أشعر بقلبي يرتج، أو سمعته يبكي، قبلًا، فلِمَ الآن؟ ولمْ يجف حلقي، ولمْ يتدافع اللُهاث، حارقًا، في صدري، قبلًا، فلمَ الآن؟ والآن:  صرتُ أسمع وأرى، صرتُ أتحدث وأتحسس، صرتُ مرئيًا. وقعتُ في الخطيئة،  ولمْ أرتكبها.  لقد فعلها آدم،  فما ذنبي؟!  وأنا؟ أنا لمْ أشتكي، ولمْ أنشد معرفةً مُحرَّمةً، ولمْ أقرب ثمرة الخلود. كل ما أردته: أن أكون،  في سلام. دون تعقيد، أو تكليف. ألّا تُعرَف حدود ج...

وغادرت الغزلان!

صورة
إلا غزالة نحيفة بقيتْ.. في الركن الأبعد منه، بقيتْ. لازمَ زمنًا حُجراتِ قلبي وادٍ أخضر. آوى في سهله قطيعًا من الغزلان. كُنَّ يضحكن، وكُنَّ يرقصن، وكانت حوافرُهنَّ مُحنَّأةً، تدق كالطبول في رأسي. كُنَّ مؤنساتِ صمتي. ثم حدث أن اجتاحتني عاصفة، لم تخلِّف وراءها إلا بردًا ووحلًا وغصونًا مهشمة.  أزَّ خطو القطيع يُعمِل حوافره في بقايا الأغصان المذعورة، يفتتها، في طريقه مغادرًا.  اتجهتْ الغزلان إلى البحر، التفتتْ خلفها للحظة.. ثم رحلتْ، ولم تمشِ على الموج!  صار صدري مهجورًا، كمرعً يابس.. ارتدى عباءة من ظلام، وهجرَه الرقص. إلا غزالة نحيفة بقيتْ.. في الركن الأبعد منه، بقيتْ. تلعق جروحها وهي ترتجف، ومن وقت لآخر تنفخ في ناي مشروخ لتذكرني أنها لا تزال هنا، تنتظر عودة الرفاق. 

بلا عنوان

صورة
تثور في رأسي فورة من الكلمات التائهة: الاشتياق. الندم. الخيبة. الحب. الصداقة. الدفء. التصافي. الأنانية. التضحية. الخوف. وغيرهم الكثير. كم تُعجِز اللغة أحيانًا؟! تتمرد، تصرخ برفض صامت. ترد طرفها عن أفكارك، تعيدها خائبة إلى عقلك. أتخيل اللغة أحيانًا كطفل صغير، يقف منتصبًا، يعقد ذراعيه، يزم شفتيه ويهز رأسه أن لا!  دع قلبك المنتفخ ينفجر بالكلمات الشاردة، كل كلمة تبحث عن أخرى، تسبقها أو تتبعها لتخلق معها معنًا ما، أي معنى..  اللغة ليست الكلمات؛ اللغة هي الروح التي تُنفَخ في الكلمات فتخلق منها شيئا حيًا، كائنًا كاملًا، ذا وجود مستقل، حتى خارج مُتحدِثها أو كاتِبها. الكلمات بلا لغة كالموسيقى بلا تناغم. هكذا أجد كلماتي اليوم: عصيةً، نشاذًا، دون رابط يربطها.  تثور في رأسي فورة من الكلمات التائهة: الاشتياق. الندم. الخيبة. الحب. الصداقة. الدفء. التصافي. الأنانية. التضحية. الخوف. وغيرهم الكثير. تترك لغتي كل كلماتي فريسة لتشردها، بلا مأوى.. بلا مكان تسكن إليه في معنى واضح وأخير. تستمر في التخبط بين أذني، تبحث عن مخرج، عن حياة تحركها. لكن ماذا يمكن أن أفعل -أو تفعل هي- أمام هذا الطفل ال...

خواطر قلقة!

صورة
إذا هي قصتي فقط لأنني أنا. لكن كوني أنا لا يعني شيئًا للقصة. إنها قصة.. قصتي أنا بالتحديد. لا أعرف من أين ابدأ، وإلى أين سيمضي بي السرد. لا يهم. المهم أنها قصتي. كعادة شخصيات القصة، أنا مجرد أداة تُروَى بها الحكاية. قد يبدو لقارئها للوهلة الأولى أنني المتحكم؛ كوني البطل والراوي. لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا من ذلك. أولا: أنا لست بطلًا، ولا أطلب البطولة، ولا حتى بمعناها الأدبي كواجهة عمل روائي أقع منه في المركز.  أوقات كثيرة أشعر أن إدراكي لذاتي هو مصدر القلق والمشاكل. يا تُرى كيف كان سيصير حالي إن خُلِقتُ ورقة على شجرة وارفة؟ أو حصاة في بطن نهر يضج بالحياة؟ كيف كان لهذا التهميش أن يجعل من قصتي أكثر جمالًا؟ فأحيانًا الجمال هو ألا تدرك أنك كائن. والجمال هو ألا تضطر أن تنظر في مرآتك يوميًا. والجمال هو العبور السريع والصامت.. بقلب صامت.. بعقل صامت... صمتٌ يتصف بالكمال.. ثانيا: أنا لستُ كتلك الشخصيات المتمردة التي تفسد على الرواة حكاياهم. كل ما بي من تمرد قد اُستنفِد على وجودي ذاته. تمردتُ على وجودي حتى عاقبني عقلي، وعاقبني قلبي، ومن قبلهما عاقبتني القصة نفسها!  روّعتني القصة حين شعرت...